تحلية المياه بالاسموزية العكسية ( التناضح العكسي)

  1. مقدمة

قي المناطق الجغرافية التي تفتقر إلى المصادر الطبيعية للمياه النقية والصالحة للشرب مثل الأنهار , الينابيع والسيول, تعتمد المجتمعات الموجودة على أنظمة تحلية المياه لأنها مصدر موثوق لا ينضب للمياه ولا سيما مع بداية العام 1950 ميلادية الذي شهد انطلاقة أنظمة التحلية بأسعار اقتصادية وتقنيات مبسطة تعمل في شتى الظروف البيئية.

وقد وتم تحديد الأملاح الذائبة في المياه المحلاة بنسبة 500 جزء بالمليون لتكون النسبة المسموح بها دوليا للمياه لجميع الاستعمالات المنزلية, الصناعية والزراعية.

حوالي 97% من الماء الموجود على الأرض في المحيطات المالحة. وبسبب الحاجة إلى الماء تطلع النّاس مليّاً عبر التّاريخ إلى هذا المعين الذي لا ينضب. ويعتقد النّاس حاليّاً أكثر من أي وقت مضى أن تحلية ماء المحيط ستفي وتواجه الاحتياج المتزايد للماء العذب.
والملح الموجود في ماء البحر هو ملح المائدة الشّائع. ويستطيع الإنسان أن يشرب بأمان الماء الذي يحتوي على أقل من 0,05كجم من الملح في كلّ 100كجم من الماء. ويحتوي ماء البحر على سبعة أضعاف هذه الكمية من الملح. ولا شك بأن الشّخص الذي يشرب ماء البحر فقط سيموت؛ إذ إنّ الجفاف سيصيب خلايا جسمه أثناء محاولتها التّخلص من كميّة الملح الزّائد. وكذلك فإن النّاس لا يمكنهم استعمال ماء البحر في الزّراعة أو الصّناعة، لأنّ هذا الماء يقتل معظم المحاصيل، ويسبب صدأ الآلات والمعدّات سريعاً.

وعرف النّاس طرائق عديدة لتحلية ماء البحر. وتعطي عمليّة تحلية ماء البحر الأمل في حلّ مشكلات شُحّ الماء العذب في المناطق السّاحليّة القريبة من البحر. ولا تحلّ تحلية ماء البحر كلّ المشكلات المائيّة. وحتى لو احتوت المحيطات على ماء عذب فستظلّ هناك مشكلات أخرى مثل تلوّث المياه والسّيطرة على مياه الفيضانات وكذلك عمليّات توزيع المياه

هذا وتعتبر تكنولوجيا تحلية المياه من التقنيات الهامة في مجال معالجة المياه والتي برزت كحاجة ملحة وضرورية لتوسيع مصادر المياه وعدم القتصار على المصادر التقليدية والتي كانت تستخدم قديما لسد حاجات النسان المختلفة وكانت تفـي بهــذا الغرض.

 

  1. مفهوم الاسموزية الطبيعية

الإسموزية هى إنتشار المواد (المذيب) خلال غشاء شبه منفذ نتيجة لإختلاف الضغط الإنتشارى لهذه المـادة (المذيب) على جانبى الغشاء. وتحدث الإسموزية حينما يكون هناك محلولين فيهما المذيب مشـترك وضـغط الإنتشار للمذيب فى كلا الجانبين والمحلولين منفصلين عن بعضهما بواسطة غشاء شبه منفذ.

فمثلاً عند مليء غشاء شبه منفذ (على شكل كيس) بمحلول ملحى أو سكرى ثم ربط هذا الكيس ووضعه فى ماء نقى يلاحظ بعد فترة إمتلاء هذا الكيس ويحدث هذا الإنتفاخ ضغطاً على جدار الكيس من الداخل. وهـذا الضغط ينشأ نتيجة لدخول الماء إلى المحلول عن طريق الإسموزية. وفى هذه الحالة يجب مراعاة أن غشاء الكيس لابد وأن يكون شبه منفذ أى يكون منفذاً للماء دون المادة المذابة. وتنقسم الأغشية تبعاً لخاصية النفاذية إلى:

  • أغشية منفذة: أى تسمح لكل من المذيب والمذاب بالنفاذ خلالها مثل ورق الترشيح.
  • أغشية غير منفذة: لا تسمح لأى من المذاب والمذيب بالنفاذ مثل الزجاج.
  • أغشية شبه منفذة: تسمح للمذيب فقط دون المذاب بالنفاذ خلالها.

 

  1. مفهوم التناضح العكسي

هي عملية فيزيائية ينتقل من خلالها الماء من الوسط عالي التركيز إلى الوسط قليل الــتركيز مــن خلل غشاء شبه منفذ عن طريق استخدام ضغط على المحلول المركز يزيد عن الضغط السموزي. من المعروف في الوضع الطبيعي لدى فصل محلولين أحدهما مركز والخر مخفف بغشــاء شــبه منفذ فإن هذا النظام يميل بحكم القوانين الطبيعية إلى إحداث توازن في تراكيز المحلولين وذلك بعبور الماء النقي من المحلول المخفف إلى المحلول المركز ويستمر هذا العبور حتى يتقارب تركيز المحلولين.

إذا طبقنا ضغطا معاكسا على الجزء المحتوي على المحلول المركز بحيث يكون أعلى من قيمة الضغط السموزي فإن إتجاه التدفق سينعكس – أي أن الماء يعبر من المحلول المركز إلى المحلول المخفف من خلل الغشاء، ونتيجة لذلك يزداد تركيز الملح في المحلول ويزداد الضغط السموزي ويدعى الضغط المطبق على المحلول المركز بالضغط السموزي العكسي Reverse Osmotic Pressure

ومن السهل أن نستنتج كيفية استغلال هذه الظاهرة في تحلية المياه المالحة عند درجات حرارة عادية ودون أية إضافات كيميائية، كل ما تتطلبه العملية هي تمرير الماء المالح من خلل أغشية شبه نفاذه عن طريق توليد ضغط على هذا الماء ليخرج الماء النقي فقط خلال  الغشاء بينما يتم حجز الماء المالح خلف الغشاء.

يطبق هذا النظام ضمن أجهزة التناضح العكسي الصناعية حيث يمر الماء عبر مرشحات متعددة كمعالجة مسبقة لحماية أغشية التناضح العكسي من الانسداد وتتعلق نوعية وعدد هذه المراحل بطبيعة المياه ونسبة ونوع التلوث الموجود فيها.

وفي الحالات العامة تمر المياه على المرشحات متعددة الطبقات والفلاتر الخرطوشية لإزالة المواد العالقة ثم على المرشحات الكربونية لإزالة مادة الكلور التي تضاف لتعقيم المياه الأولي وكذلك المواد العضوية ويحقن بعد ذلك عدد من المواد المساعدة مثل مواد منع ترسب الاملاح الكلسية ومواد تعديل درجة الحموضة وأخيرا  يمر الماء من خلال غشاء شبه منفذ يسمح فقط لجزيئات المياه النقية بالعبور لنحصل على مياه نقية بأملاح منخفضة جدا.

  1. تطبيقات التناضح العكسي

يبين الجدول التالي جدول رقم 1 بعض تطبيقات التناضح العكسي.

جدول 1

معالجة مياه الصرف واعادة الاستخدام مياه الشرب الاستخدام الصناعي
مياه الشرب غير المباشرة تحلية مياه البحر, تحلية المياه الضاربة في الملوحة , التقطير

 

المياه فائقة النقاء, مياه الغلايات, المياه النقية, استخدامات الصناعات اليومية

5.    مراحل المعالجة بتقنية التناضح العكسي:

تعتمد تقنية التناضح العكسي على أربعة مراحل أساسية من المعالجات هي:

  • مرحلة المعالجة الأولية .
  • مرحلة الضغط (مضخة ذات ضغط عال ) .
  • مرحلة الفصل بواسطة الأغشية (مجمع أغشية) .
  • معالجة نهائية ( مرحلة التثبيت ).

أ-مرحلة ما قبل المعالجة:

والمعالجة الأولية مهمة لأن مياه التغذية يجب أن تمر عبر ممرات ضيقة أثناء العملية ، كذلك يجب إزالة العوالق ومنع ترسب الكائنات الحية ونموها على الأغشية . حيث يتم معالجة دفق مياه التغذية لتصبح منسجمة مع الشروط الاساسية لعمل الأغشية ولتكون خالية من العوالق الصلبة عبر عدة خطوات منها :

  • الترشيح الرملي Multimedia Filter
  • وحدات خراطيش ميكرونية Cartridge Filters
  • ضبط الرقم الهيدروجيني pH Adjustment
  • إضافة مواد كيميائية لمنع تكون القشور .

ب-مرحلة الضغط:

يتم خلال هذه العملية أو المرحلة رفع الضغط على المياه المعالجة أوليا الى المستوى المناسب لنوع الأغشية ونسبة الأملاح الذائبة في المياه المطلوب معالجتها .

والمضخة ذات الضغط العالي تعمل على رفع الضغط الهيدروليكي لمياه التغذية الى الحد الكافي للتغلب على الضغط الاسموزي الطبيعي وبزيادة تكفي لانتاج الكمية المطلوبة من المياه العذبة ، وبالتالي توفرهذه المضخة الضغط اللازم لعبور الماء من خلال الأغشية وحجز الأملاح ، وتتناسب الضغوط المطلوبة تناسبا طرديا مع درجة ملوحة مياه التغذية.حيث تتراوح ما بين 17 إلى 27 بارا ( 250 – 400 رطل على البوصة المربعة ) في حالة المياه قليلة الملوحة التي تتراوح ملوحتها بين 2000 – 10000 جزء في المليون، بينما تتراوح الضغوط المطلوبة بين 45 إلى 80 بارا ( 800 – 1180 رطل على البوصة المربعة ) لمياه البحار المالحة مثل مياه الخليج العربي والتي تصل فيها الملوحة الى 45000 جزء في المليون .

ج-مرحلة الفصل بواسطة الأغشية (مجمع الأغشية)

ويتكون مجمع الأغشية من وعاء ضغط وغشاء يسمح بضغط الماء عليه كما يتحمل الغشاء فارق الضغط فيه . والأغشية نصف المنفذه قابلة للتكسر وتختلف في مقدرتها على مرور الماء العذب وحجز الأملاح.

تقوم الأغشية في هذه المرحلة بالسماح للمياه العذبة أو النقية بالمرور خلال الثقوب الميكروية للغشاء ، بينما تمنع الأملاح الذائبة من المرور ، حيث يتم تحويلها الى خط الصرف ذو التركيز الملحي العالي ، بينما تتمكن نسبة قليلة من الأملاح من عبور الأغشية والسبب في ذلك يعود الى عدم كمال الأغشية النسيجية ليس هناك غشاء محكم إحكاما كاملا في طرد الأملاح ولذلك توجد بعض الأملاح في المياه المنتجة.

تعمل هذه الأغشية على إزالة أكثر من 75 % من الأملاح إضافة الى معظم أنواع العضويات ، الدقائق الفيروسات والبكتيريا  ، والكثير من الملوثات الكيميائية ، وتتراوح قياسات المسامات في الأنواع المختلفة من الأغشية بين (10 انجستروم – 100 ميكرون ) .

 

وتصنع أغشية التناضح العكسي من أنماط مختلفة ، وهناك اربعة أنواع من نظم الاغشية المعروفة وهي الاغشية المسطحة والاغشية الأنبوبية والاغشية الشعرية المجوفة والأغشية الحلزونية، ولكل من هذه الأغشية مقدرة معينة على انتاج المياه العذبة وإمرار الأملاح واحتجازها.

وهناك اثنان ناجحان تجاريا وهما اللوح الحلزوني والألياف ( الشعيرات الدقيقة المجوفة) ، ويستخدم هذين النوعين لتحلية كل من مياه الآبار ومياه البحر على الرغم من اختلاف تكوين الغشاء الإنشائي ووعاء الضغط اعتمادا على المصنع وملوحة الماء المراد تحليته.

د-مرحلة التثبيت أو ما بعد المعالجة:

تهدف المعالجة النهائية فهي للمحافظة على خصائص الماء واعداده للتوزيع . وربما شملت هذه المعالجة إزالة الغازات مثل كبريتيد الهيدروجين وتعديل درجة الرقم الهيدروجيني.

حيث يتم في هذه المرحلة ضبط حموضة المياه العذبة الناتجة من خلال عملية الضبط الكيميائية للرقم الهيدروجيني للمياه PH Adjustment برفعها من حوالي الرقم 5 الى 7.5 .

ويتم خلال هذه المرحلة أيضا إضافة الكلور للحفاظ على المياه معقمة من الكائنات الحية الدقيقة الحية والبكتيريا التي قد تصلها خلال فترات التخزين والضخ عبر الشبكة.

 

أحــمــد السـروي

إستشاري معالجة المياه والبيئة

المراجع العلمية

  • احمد السروي ,العمليات الاساسية لتنقية مياه الشرب , دار الكتب العلمية , 2012.
  • احمد السيد خليل ,عملية تنقية الماء للاستخدام المنزلي , 2008.
  • تحلية مياه البحر, سيرورات الطاقة التقليدية والمتجددة, اندريا سيبولينا واخرون, المنظمة العربية للترجمة ,2011.
  • عصام الدين خليل حسن، إعذاب المياه (الطبعة الطبعة الأولى)، القاهرة- جمهورية مصر العربية: المكتبة الاكاديمية، 2010, صفحة 20. بتصرّف.
  • Norman N. Li, Anthony G. Fane, W. S. Winston Ho, and T. Matsuura, Advanced Membrane Technology and Applications, 2008 John Wiley & Sons, Inc.

 

تحلية المياه الجوفية ومياه البحر باستخدام أغشية النانو

تعد تقنية الاغشية الخيار الامثل والاقل كلفة والاكثر رواجا في عالم تحلية المياه وقد كانت حتى زمن قريب مركزة على استخدام أغشية التناضح العكسي Reverse Osmosis  نظرا لكفاءتها في ازالة الملوحة من المياه الجوفية متوسطة الملوحة ومياه البحر ذات التراكيز الملحية العالية. دخلت اغشية النانوNano-filtration membranes  عالم الاغشية بالعموم وسط التسعينات وكان الكثير من الباحثين وقتها يصنفها على أنها نوع من أنواع أغشية التناضح العكسي لكنها استطاعت بخصائصها المتميزة وتطبيقاتها العديدة أن تجد لها مكانا متميزا جعلها تصنف على أنها أحد أهم أنواع الاغشية وأكفئها. وجدت هذه الاغشية مكانا لها في العديد من الصناعات أهمها معالجة الكثير من انواع المياه العادمة والسطحية بسبب قدرتها على ازالة المواد العضوية وكثير من الملوثات، معالجة عصارة مكبات النفايات leachate  ، بالاضافة الى التطبيق الاكثر شيوعا لها وهو تحلية المياه الجوفية ومياه البحر وازالة الكثير من الملوثات والمواد غير المرغوب بها كالنترات والخارصين والفلورايد وتقليل العسرة وغيرها.

يمكن تصنيف أغشية النانو تبعا لعدة تصنيفات أهمها: نوع المادة الخام وهي اما عضوية organic or polymeric membranes  أو غير عضوية ceramic membranes ، حجم ومقاس الفتحات pore size and diameter  وهي غالبا ما تكون أقل من 10 نانوميتر للفتحة الواحدة، الموديول أو الشكل الذي يتناسب مع التطبيق أو العملية أو نظام الفلترة ويكون بالاشكال التالية: flat-sheet , spiral wound, tubular, and  hollow-fiber  وجميع هذه الاشكال متوفرة لدى الشركات المصنعة.

Spiral – Wound module

ينبع الاهتمام بهذه الاغشية في مجال التحلية تحديدا بسبب امتيازها بتقليل التراكيز الملحية على مستويات ضغوط منخفضة نسبيا قياسا بأغشية التناضح العكسي فهذه الأغشية يمكن تعمل على ضغوط أقل من  bar 10 للمياه الجوفية وأقل من 30 bar  لمياه البحر وهي ضغوط أقل بكثير من الضغوط المستخدمة لأغشية التناضح العكسي وهذا يعطيها ميزة اقتصادية واضحة. كذلك فان أغشية النانو أكثر مقاومة للانسداد أو مايعرف fouling or scaling  من أغشية التناضح العكسي وذلك أيضا يقلل من استخدام المواد المقاومة للانسداد. تعمل هذه الاغشية باليتين متوازيتين تساهم في ازالة الكثير من الأملاح الذائبة في الماء حيث يوجد على سطحها الخارجي ايونات بشحنة سالبة بكثافة معينة تقوم على جذب ايونات الاملاح ذات الشحنات الموجبة حسب التكافؤ الخاص بكل ايون وهكذا تحدث عملية ازالة الاملاح المذابة اما الجزيئات كبيرة الحم نسبيا فتتكفل فتحات الغشاء فيزيائيا بمنعها من المرور اعتمادا على حجم هذه الجزيئات وقطر فتحات الغشاء.

 هناك العديد من محطات التحلية في العالم ادخلت أغشية النانو حديثا كتقنية للمعالجة الاولية لمياه البحر قبل ادخالها على اغشية التناضح العكسي وقد أثبتت نجاعتها وكفاءتها بشكل ملحوظ لكن على الرغم من مميزاتها الكثيرة فهي لاتخلو من بعض العيوب كتدني قدرتها على ازالة الاملاح اذا ما كانت التراكيز عالية جدا وكذلك تباين قدرتها على ازالة بعض ايونات الاملاح فهي ذات قدرة عالية على ازالة املاح الكبريتات وقدرة منخفضة على إزالة أملاح الكلورايد لكن ومما لاشك فيه ان لاغشية النانو مستقبلا كبيرا خاصة وانها شهدت اهتماما كبيرا من الباحثين والدارسين والشركات المصنع للاغشية عالميا في الخمس سنوات الاخيرة مما ساهم في تحسين اداءها ورفع كفاءتها.

بقلم

د.عزام أبو حبيب

قسم الهندسة البيئية – الجامعة الاسلامية – غزة – فلسطين

طرق تحلية المياة

كان ولايزال التناقص المستمر في حصص المياه المتاحة للدول هو الضاغط الرئيسي عليها  لتنمية منظومات تحلية المياه حتي تستطيع تحقيق الكم المطلوب لاحتياجات مواطنيها من المياه عموماً ولذلك تستخدم العديد من طرق تحلية المياه ونذكر منها مايلي :

التناضح العكسي

تقوم خلايا الجسم بعملية التناضح أو ما يسمى بالعملية الأسموزية عندما تمرّ المياه من خلال غشائها الخارجيّ، فتحاول الخليّة أن تعادل تركيز الملح العالي داخلها مع تركيز الملح المنخفض خارجها، وعليه فقد تمّ الاستفادة من هذه العمليّة في عملية التناضح العكسي ( Reverse osmosis) والتي تحدث عندما يتم يكون الماء المالح على جانب من غشاء شبه نفّاذ، فيتمّ تحريك جزيئات الماء بفعل الضغط من خلال غشاء الترشيح، بحيث لا تنفذ الجزيئات الكبيرة، بما في ذلك جزيئات الملح، والموجودة وراء الغشاء من خلاله، أمّا بالنسبة للمياه المالحة في البحار أو المحيطات، فإنّ هناك حاجة لمقدار كبير من الضغط الذي يلزم لنقل المياه من خلال غشاء الترشيح، حيث إنّ كلّ مسام فيه يكون بحجم جزء صغير من حجم شعر الإنسان، وهذا يعني بضرورة تشغيل سلسلة من المضخّات، بحيث تضغط جميعها على الماء

. التناضح الأمامي

تُستخدَم عملية التناضح الأمامي (Forward Osmosis) العملية الأسموزية الطبيعيّة؛ والتي تتحرك فيها المادة من منطقة ذات تركيز منخفض إلى منطقة ذات تركيز عالٍ، حيث تستهلك العملية كمية طاقة أقلّ من تلك المستخدَمة لعملية التناضح العكسي، ممّا يؤدي إلى خفض التكلفة إلى النصف مقارنة بتكلفة التناضح العكسي، فبدلاً من ممارسة قوة على المحلول من خلال تدرّج الضغط، فإنّ هذه العملية تسمح للمحلول بالتحرّك بشكل طبيعيّ، فعند تحليّة المياه، يتحرّك محلول البحر عبر غشاء شبه نفّاذ إلى محلول شديد التركيز من أملاح الأمونيا، وتبقى أملاح البحر على الجانب الآخر من الغشاء، ثمّ يتمّ تسخين المحلول لتتبخّر أملاح الأمونيا منه، ويكون الملح الناتج صالحاً للاستخدام، لكنّ هذه التقنية تعتبر جديدة إلى حدّ ما لتطبيقها على تحلية الماء على نطاق واسع، وبالتالي فهي تحتاج إلى تمويل، وبحث لتحديد النقاط التي يمكن تحسينها، والتي تُقلّل من تكاليف الطاقة.

الفصل الغشائي الكهربائي

تستخدَم عملية الفصل الغشائيّ الكهربائيّ ( Electrodialysis) في عملياتها، كما هو الحال في عملية التناضح العكسيّ، حيث تقوم بإرسال شحنات كهربائيّة عبر المحلول لسحب أيونات المعادن نحو لوحه موجبة على أحد الجوانب، ولسحب أيونات أخرى، كالملح، إلى لوحه سالبة على جهة أخرى، ثمّ يتم عكس الشحنات بشكل دوريّ؛ لتجنّب تلوّث الغشاء بشكل كبير، ويمكن بعد ذلك إزالة الأيونات الموجودة على كلّ من الصفائح، ممّا ينتج عنه مياه نقيّة، وقد تمّ صنع أغشية جديدة مقاومة للكلور تزيل الأيونات الضارّة، وعلى الرغم من فعّاليتها في تحلية المياه إلا أنّها تعدّ مكلفة، بالإضافة إلى وجود تكاليف الطاقة.

التحلية الحراريّة – الترطيب الشمسيّ

يمكن أن يتمّ استخدام عملية الترطيب الشمسيّ (solar humidification) في الأماكن التي تتوفّر فيها المياه المالحة، وأشعة الشمس الشديدة، حيث تعمل حرارة الشمس على تبخير المياه المالحة التي توجد تحت غطاء شفاف، ثمّ يتكاثف البخار في أسفل الغطاء، ويتدفّق إلى حوض لتجميع المياه النقيّة، ولكنّ هذه العملية تتطلّب مساحات كبيرة من الأراضي، وطاقة من أجل ضخّ المياه، وتجدر الإشارة إلى وجود عملية حراريّة أخرى تستفيد من حقيقة أنّه في حال تمّ تجميد المياه المالحة، فإنّ بلورات الجليد لا تحتوي على الملح ولكن من الناحية العملية تبقى كميات المياه المالحة غير المرغوب فيها محصورة بين البلورات، بالإضافة إلى أنّ كمية المياه العذبة اللازمة للتخلّص من المياه المالحة تكون مماثلة لكمية المياه العذبة الناتجة عن ذوبان البلورات.

التقطير السريع المتعدد المراحل تقوم عملية التقطير بإزالة الملح، وأنواع الملوثات الأخرى من الماء، وتتمّ عملية التقطير السريع متعدد المراحل (Multistage Flash Distillation) بإعادة تسخين الماء الناتج عن التسخين عدة مرات، ويتم تقليل الضغط في كلّ مرّة يتمّ فيها إعادة التسخين، أمّا محطات التقطير السريع متعدد المراحل فتبنى إلى جانب محطات توليد الطاقة من أجل الاستفادة من الحرارة المُبدّدة عن هذه المحطّات، لذا فإنّ محطات التقطير هذه تتطّلب كمية أقل بكثير من الطاقة مقارنة بمحطات التناضح العكسيّ للتقطير، ولكن تتمثّل المشكلة الرئيسية للتقطير السريع متعدد المراحل في كونه يتطلّب كمية أكبر من المياه المالحة من التناضح العكسيّ، كما أنّ تكاليف الصيانة تعتبر مرتفعة.

التقطير المتعدد الآثار

تعتبر عملية التقطير المتعدد الآثار (: (Multiple-Effect Distillation عملية بسيطة تشبه عملية التقطير السريع متعدد المراحل، ويتم فيها تسخين محلول الماء المالح، والذي ينتج عنه ماء نقيّ يتدفّق إلى الحجرة التالية، وتُستخدَم الطاقة الحرارية التي يحملها الماء الناتج ليتم غليه مرةً أخرى، ممّا يؤدي إلى إنتاج المزيد من البخار، ولكن من الأفضل استخدام هذه الطريقة لتحلية الماء على نطاق أصغر، لأنّ تكاليفها تعدّ مرتفعة جداً بالنسبة للمرافق الكبيرة.

                                                                                                         بقلم م/ أيمن نافع                                                          

تحلية المياه بين الواقع والمأمول في المنطقة العربية

مع قلة موارد المياه العذبة على هذا الكوكب والتي تتلخص بكارثة ان ما يزيد عن مليار انسان لا زالو لا يحصلون على مياه شرب نقية، ومع زيادة ملحوظة في تعداد السكان والتي من المتوقع ان تصل الى تسعة مليارات نسمة في العقد القادم. وتشتمل ايضا التحديات المناخية كظاهرة الاحتباس الحراري والتي تعمل على اذابة مليارات الاطنان من الجليد الذي يعتبر مصدرا هاما للمياه العذبة على هذا الكوكب وفقدانها بانحلالها في المحيطات.

تتبخر مياه البحر وتتكثف مما يسمح باستمرارية الحياة على هذا الكوكب ، فيما يعرف بالدورة الهيدروجينية. وبمجرد اكتمال مهمة المياه الحيوية تعود مرة أخرى الى البحر وتتابع الدورة الهيدروجينية حلقتها مع استمرار الحياة. ان عملية التبخير والتكثف في هذه الدورة تقوم بمعالجة ما نسبته 3% من اجمالي المياه المشمولة في حلقة المعالجة الذاتية للمياه  وحيث ان نسبة ما  تشكله المياه يعادل 75% من محتوى الارض فان هذه النسبة تعتبر ضئيله مقارنة بالعوز المائي الانساني والذي يشمل الزراعة والصناعة وانتاج الطاقة واستخدامها في الأنشطة اليومية للإنسان.

 

وبما أن كمية الماء على الأرض هي بحكم تعريفها ثابتة ، فقد ركزت الجهود حتى الآن على تقليل الاستهلاك. لقد تم القيام بالكثير في هذا الاتجاه وما زال هناك الكثير مما ينبغي عمله. ومع ذلك ، فإن هذه الجهود لن تكون كافية لأن احتياجاتنا المتزايدة من المياه العذبة ستتجاوز قريبا القدرة التجديدية للدورة الهيدرولوجية.

إذا حدث ذلك ، فإن الحل الوحيد القابل للتطبيق في المستقبل القريب هو تحلية المياه ، أي استخدام التقنيات التي تنقي مياه البحر، حيث ان   تحلية المياه هي الأمل الوحيد للأجيال القادمة في إنتاج مياه جديدة بأسعار معقولة خاصة  في منطقة الشرق الأوسط التي تعتبر من اكثر المناطق ذات العوز المائي على هذا الكوكب.

بدأت عملية تحلية المياه في بلدان الشرق منذ ما يقارب  40 عامًا ، لكن في الآونة الأخيرة فقط اصبح القطاع فعالا وذو انتاجية. ولم يبدأ الاستغلال التجاري إلا في التسعينيات وشهدت تطورا لوغاريتميا في الاونه الاخيره حيث اصبحت احدى دعائم الصناعة في هذه البلدان.

مع تطور وسائل وتقنيات معالجة المياه فما يزيد عن 16000 محطة تحلية منتشره في دول العالم وذلك بنسبة تطور ونمو سنوي يفوق 15%.

يبقى التحدي الاصعب في عملية تحلية مياه البحر والمتمثل باستهلاك الطاقة حيث ان كمية الطاقة المستخدمة في عمليات التحلية سواء كانت عن طريق التناضح العكسي والذي يحتاج الى طاقة مكثفة لعملية حقن الاغشية والمرشحات بمياه البحر، أو عن طريق استخدام الطاقة الحرارية في عمليات التقطير. شح مصادر الطاقة اثر سلبيا على انتاجية وكفاءة عمليات تحلية البحر وذلك في نطاق الدول الغير نفطية، وكان الازدهار ملحوظاً لعمليات التحلية في المنطقة وخاصة في المملكة العربية السعودية والتي تعتبر الآن اكبر منتج ومستهلك للمياه المحلاة في العالم.

العوز المائي والمقرون بالعوز في مصادر الطاقة شجع الباحثين على تقديم حلول وابتكارات تتماشى مع المعطيات المتوفرة وكان من اهم الاهداف المنشودة هو ايجاد طرق تحليليه ذات استهلاك طاقة اقل وبنفس الكفائة المنشودة.

ومن هذا المنطلق كان التركيز على تطوير انظمة استعادة الطاقة في عملية التناضح العكسي والتي تعتمد على خفض كمية الطاقة اللازمة لضغط المياه في المرشحات الى مستويات متدنيه وذلك عن طريق ما يسمى بتدوير الطاقة اي ان الطاقة اللازمة لضخ المياه خلال الاغشية يعاد تدويرها مرات عدة وبنسبة تصل الى 75% من الطاقة الأساسية المستهلكة.

يتم إستهلاك كمية ضخمة من الطاقة لتحقيق مستويات الضغط المطلوبة للعملية ، والتي بعد ذلك تصبح عديمة الفائدة بعد انتهاء العملية، وهذا يعني ان الطاقة المستخدمة لضخ وضغط مياه البحر في المرشحات يقابلها طاقة وضغط المياه المالحة الناتجة عن هذه العملية والتي في عمليات التناضح العكسي تذهب هدراً، و من هنا كان لا بد من استغلال هذه الطاقة المهدورة وبالتالي المساعدة في اعادة تدوير هذه الطاقه واستغلالها كمصدر للضغط اللازم لضخ مياه البحر خلال المرشحات.

كذلك الامر في عملية تحلية مياه البحر عن طريق التقطير جاءت عمليات التقطير الوميضي لتقلل من استهلاك الطاقة الحرارية المستخدمة حيث ان مبدئها يحاكي الدورة الهيدروجينية للمياه حيث تقوم هذه الانظمة بتسخين مياه البحر وتداولها خلال مراحل مختلفة من التحول حيث يقل مستوى الضغط الجوي تدريجيا والذي يستلزم انخفاض نقطة الغليان ضمنيا مما يقنن من كمية الوقود المستهلك.

ومن هنا نستشعر الوظيفة الرئيسية لأجهزة تدوير الطاقة في تحسين كفاءة استعادة الطاقة عن طريق تسخير الطاقة المرفوضة المقابلة لطاقة الفعل واعادة استردادها لتكون جزء من عملية التحلية المستدامة. كما تم تطوير العديد من انظمة استعادة وتدوير الطاقة لتشمل الانظمة الهيدروليكية بمساعدة ميكانيكية وانظمة هيدروليكية متسلسلة واخيرا انظمة هيدروليكية تعمل بالتوازي وكل حسب الية ضخ الطاقة الاولية سواء كانت بفعل مضخات او حرارية.

 

تحلية مياه البحر حول العالم تستغل الطاقات الأحفورية او المخزون النفطي للبلدان. على المدى الطويل ، مهما كانت هذه الطاقة  فعاله، فان هذا الخيار غير مستدام من الناحية البيئية والاقتصادية.

في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ، من الممكن بناء محطات الطاقة الشمسية التي تكون مواردها غير محدودة نظريا. يمكن للمنطقة توليد ما يكفي من الطاقة الشمسية لتلبية الطلب العالمي عدة مرات. كما أن استبدال الوقود الأحفوري سيقلل من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري ، وهو أحد الأسباب الرئيسية لارتفاع درجات الحرارة لكوكب الارض.

تشييد محطات الخلايا  الشمسية المزودة بانظمة تخزين الحرارة واجهزة تجميع و تحويل الطاقة  في المنطقة يمكن أن توفر الطاقة على مدار 24 ساعة في اليوم لهذه البلدان حيث انها تعتبر من اكثر البلدان التي تتمتع باطول وقت تعرض شمسي في العالم اذا ما قورنت بالدول الاوروبية.

 

سوف يستغرق تطوير محطات الطاقة الشمسية في المنطقة بعض الوقت. وسيتم استخدام المصانع الحالية التي تستخدم الوقود الأحفوري حتى 2041-2043. سوف تكون هناك حاجة إلى جهود البحث والتطوير لجعل تكاليف الطاقة الشمسية قادرة على المنافسة. في غضون ذلك ، قامت المملكة العربية السعودية بالفعل بتطوير عدد من محطات التحلية التي تعمل بالطاقة الشمسية ، كما افتتحت مؤخراً أول محطة للتناضح العكسي في العالم تعمل بالطاقة الشمسية على نطاق واسع في منطقة الخفجي ، بالقرب من الحدود مع دولة الكويت.

كما ان بعض البلدان اتجهت الى تسخير طاقة الرياح كطاقة بديلة وغير مباشرة لتزويد محطات تحلية المياه  كما هو الحال في استراليا.
ولا تزال هناك حاجة ملحة للتغلب على العقبات الخرى التي تحول دون تطوير محطات تحلية المياه والتي تتضمن التلوث الناجم عن المواد الكيميائية المضافة اثناء عملية المعالجة كذلك التلوث الحراري للمحتوى المائي للبحار، ومواصلة البحث العلمي لتطوير اليات ذات كفاءة عالية ومنخفضة التكاليف. حيث ان معدل النمو في هذه الصناعة مرهون بالتغلب على كل هذه المعيقات.

من الجدير بالذكر أن  المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) دعا الدول العربية إلى مواصلة السعي نحو ابتكارات تساعد على تخطي أزمة ندرة المياه في إطار جهودها لمواجهة تغير المناخ.

كما أشاد بالتقدم الذي حققته دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في بعض المجالات مثل تحلية المياه وجمع المياه والري بالتنقيط ومعالجة مياه الصرف الصحي، على الرغم من التحديات فيها.وقال “من الضروري تعزيز طرق الزراعة وإنتاج الغذاء بصورة عامة بحيث يتم استخدام كميات مياه أقل وبكفاءة أكبر. سيؤدي النمو السكاني وآثار تغير المناخ إلى زيادة الضغط على مدى توفر المياه في المستقبل القريب. ويشكل تغير المناخ، بالتحديد، مخاطر كبيرة جدا”.وأكد على ضرورة وضع المزارعين والأسر الريفية في قلب الاستراتيجيات المتعلقة بمواجهة ندرة المياه، قائلا إن “تشجيعهم فقط على تبني تقنيات زراعية أكثر فعالية غير كاف، بل يجب ضمان حصولهم على مياه الشرب”.وتستهلك الزراعة ما يزيد عن 80% من جميع عمليات سحب المياه العذبة في المنطقة والتي تصل ذروتها إلى أكثر من 90 %في عدد من الدول ومن بينها اليمن وسوريا، مما يجعل تبني ممارسات مستدامة وفعالة لإدارة المياه في الزراعة مهم جدا لتحقيق هدف القضاء على الجوع.

م. أحمد فايز ظاهر

عمان- الاردن